الشيخ محمد رشيد رضا
500
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولا بأساطيل البحار السابحات والغواصات ، ولا أساطيل المناطيد والطيارات ، ولا بالغازات الخانقات ، وقد كانت الحرب بين خاتم النبيين والمشركين سجالا ، وكان المؤمنون ينفرون معه خفافا وثقالا ، فهل يكون المهدي أهدى منه أعمالا ، وأحسن حالا ومآلا ؟ كلا وقد جاءهم النذير ، ابن خلدون الشهير ، فصاح فيهم ان للّه تعالى سننا في الأمم والدول والعمران ، مطردة في كل زمان ومكان ، كما ثبت في مصحف القرآن ، وصحف الأكوان ، ومنها أن الدول لا تقوم إلا بعصبية ، وإن الأعاجم قد سلبوا العصبية من قريش والعترة النبوية ، فان صحت أخبار هذا المهدي فلن يظهر إلا بعد تجديد عصبية هاشمية علوية ، ولو سمعوا وعقلوا ، لسعوا وعملوا ، ولكان استعدادهم لظهور المهدي بالاهتداء بسنن اللّه تعالى رحمة لهم ، تجاه ما كان في أخباره من الفتن والنقم فيهم ، وربما أغناهم عن بعض ما يرجون من زعامته إن لم يغنهم عنه كله . كانت اليهود اغترت مثلنا بظواهر ما في كتب أنبيائهم من الانباء بظهور مسيح فيهم يعيد لهم ما فقدوا من ملك داود وسليمان ، فاتكلوا على ما فهم أحبارهم منها بمحض التقليد الاصمّ الذي لا يسمع ، الأعمى الذي لا يبصر ، ومضت القرون في إثر القرون وهم لا يزدادون إلا تفرقا وضعفا ، فلما عرفت أجيالهم الأخيرة سنن اللّه تعالى في العمران ، طفقوا يستعدون لاستعادة ذلك الملك والسلطان ، بالسعي إلى انشاء وطن يهودي خاص بهم يقيمون فيه قواعد العمران ، بارشاد العلوم والفنون العصرية ، التي يتعلمونها بما يحيون من لغتهم العبرانية ، وقد أنشأوا لذلك مصر فاماليا خاصا ، وما زالوا يجمعون لأجله الإعانات بالألوف وألوف الألوف من الدنانير ، حتى أنهم استمالوا لمساعدتهم في هذا العهد ، أقوى دول الأرض ، هذا - والمسلمون لا يزالون يتكلون على ظهور المهدي ويزعم دهماؤهم انه سينقض لهم سنن اللّه تعالى أو يبدلها تبديلا ، وهم يتلون قوله تعالى ( 35 : 43 فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ؟ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) فإذا كان من أشراط الساعة آيات ، وكان زمنها زمن خوارق عادات ، فهل يضرهم أن تأتيهم وهم على هدى من ربهم ، وإقامة لشرعهم ، وعزة وسلطان في أرضهم ؟